الشوكاني
503
فتح القدير
فهو يدخل تحته سؤاله هذا دخولا أوليا ، وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع ، وسمى دعاءه سؤالا لتضمنه معنى السؤال ( إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) أي أحذرك أن تكون من الجاهلين كقوله - يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا - وقيل المعنى : أرفعك أن تكون من الجاهلين . قال ابن العربي : وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحا عن مقام الجاهلين ويعليه بها إلى مقام العلماء العاملين ، ثم لما علم نوح بأن سؤاله لم يطابق الواقع ، وأن دعاءه ناشئ عن وهم كان يتوهمه بادر إلى الاعتراف بالخطأ وطلب المغفرة والرحمة ، ف ( قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) أي أعوذ بك أن أطلب منك ما لا علم لي بصحته وجوازه ، ( وإن لا تغفر لي ) ذنب ما دعوت به على غير علم مني ( وترحمني ) برحمتك التي وسعت كل شئ فتقبل توبتي ( أكن من الخاسرين ) في أعمالي فلا أربح فيها . القائل هو الله ، أو الملائكة ( قيل يا نوح اهبط ) أي انزل من السفينة إلى الأرض ، أو من الجبل إلى المنخفض من الأرض فقد بلعت الأرض ماءها وجفت ( بسلام منا ) أي بسلامة وأمن ، وقيل بتحية ( وبركات ) أي نعم ثابتة ، مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته ، ومنه البركة لثبوت الماء فيها ، وفي هذا الخطاب له دليل على قبول توبته ومغفرة زلته ( وعلى أمم ممن معك ) أي ناشئة ممن معك ، وهم المتشعبون من ذرية من كان معه في السفينة ، وقيل أراد من في السفينة ، فإنهم أمم مختلفة وأنواع من الحيوانات متباينة . قيل أراد الله سبحانه بهؤلاء الأمم الذين كانوا معه من صار مؤمنا من ذريتهم ، وأراد بقوله ( وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) من صار كافرا من ذريتهم إلى يوم القيامة ، وارتفاع أمم في قوله ( وأمم سنمتعهم ) على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي ومنهم أمم ، وقيل على تقدير : ويكون أمم . وقال الأخفش : هو كما تقول : كلمت زيدا وعمرو جالس ، وأجاز الفراء في غير القراءة وأمما سنمتعهم : أي ونمتع أمما ، ومعنى الآية : وأمم سنمتعهم في الدنيا بما فيها من المتاع ، ونعطيهم منها ما يعيشون به ، ثم يمسهم منا في الآخرة عذاب أليم ، وقيل يمسهم إما في الدنيا أو في الآخرة ، والإشارة بقوله ( تلك ) إلى قصة نوح ، وهي مبتدأ والجمل بعده أخبار ( من أنباء الغيب ) من جنس أنباء الغيب ، والأنباء جمع نبأ وهو الخبر : أي من أخبار الغيب التي مرت بك في هذه السورة ، والضمير في ( نوحيها إليك ) راجع إلى القصة ، والمجئ بالمضارع لاستحضار الصورة ( ما كنت ) يا محمد ( تعلمها أنت ولا ) يعلمها ( قومك ) بل هي مجهولة عندكم من قبل الوحي ، أو من قبل هذا الوقت ( فاصبر ) على ما تلاقيه من كفار زمانك ، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها ( إن العاقبة ) المحمودة في الدنيا والآخرة ( للمتقين ) لله المؤمنين بما جاءت به رسله ، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتبشير له بأن الظفر للمتقين في عاقبة الأمر ، ولا اعتبار بمباديه . وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال : نادى نوح ربه فقال : رب إن ابني من أهلي ، وإنك قد وعدتني أن تنجي لي أهلي ، وإن ابني من أهلي . وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن عباس قال " ما بغت امرأة نبي قط " . وقوله ( إنه ليس من أهلك ) يقول : ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قال : إن نساء الأنبياء لا يزنين ، وكان يقرؤها ( إنه عمل غير صالح ) يقول : مسألتك إياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك ، وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( فلا تسألني ما ليس لك به علم ) قال : بين الله لنوح أنه ليس بابنه . وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد في قوله ( يا نوح اهبط بسلام منا ) قال : أهبطوا والله عنهم راض . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال : دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ، ودخل في ذلك العذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة . وأخرج ابن